القرطبي

95

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

الثانية : الإشارة في ذلك إلى أن من طيب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام ، فالأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبائه بالتحية والشفاعة والإكرام . الفائدة الثالثة : ويحتمل أن عرضها عليه ليعلم منّة اللّه تعالى حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته . الفائدة الرابعة : ويحتمل أنه عرضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء : نفسي نفسي ، فيقول نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم : أمتي أمتي ، وذلك حين تسجّر جهنم ، ولذلك أمر اللّه عز وجل محمدا صلى اللّه عليه وسلم فقال جل من قائل : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ [ التحريم : 8 ] الآية . قال الحافظ أبو الخطاب : والحكمة في ذلك أن يفرغ إلى شفاعة أمته ، ولو لم يؤمّنه لكان مشغولا بنفسه كغيره من الأنبياء . الفائدة الخامسة : أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئا منها ، فإذا رأوها جزعوا وكفت ألسنتهم عن الخطيئة والشفاعة من هولها ، وشغلهم أنفسهم عن أممهم ، وأمان بينا محمد صلى اللّه عليه وسلم فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه مثل ما فزعوا ليقدر على الخطبة ، وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه تبارك وتعالى في القرآن المجيد ، وثبت في صحيح السنة . الفائدة السادسة : فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار خلقتا ، خلافا للمعتزلة المنكرين لخلقها ، وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله تعالى : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] والإعداد دليل الخلق والإيجاد . الفائدة السابعة : ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خسة الدنيا في جنب ما أراه ، فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر ، حتى يؤديه إلى الجنة ، فقد قيل : حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء ، وبؤسا لنعمة تردي بصاحبها إلى البلاء . الفائدة الثامنة : ويحتمل أن اللّه تعالى أراد ألا يكون لأحد كرامة إلا يكون لمحمد صلى اللّه عليه وسلم مثلها ، ولما كان لإدريس عليه السلام كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة ، أراد اللّه تعالى أن يكون ذلك لصفيّه ونجيّه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكرم وعظم وبجل ووقّر ، قال ذلك جميعه الحافظ بن دحية رضي اللّه عنه في كتاب « الابتهاج في أحاديث المعراج » . * * *